في اليوم العالمي لحرية الصحافة

نظرة على واقعها في العراق

المقدمة:

منذ أن وقف أدموند بروك عضو البرلمان الانكليزي (1729 – 1797) أمام مجلس العموم البريطاني أثناء تقديم تقريره سنة 1787 بحضور السلطات البريطانية الثلاث وأخبرهم ان ( ثلاث سلطات تجتمع هنا تحت سقف البرلمان لكن هناك في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة وهي أهم منكم جميعاً) حتى انتشرت هذه التسمية أو هذا التوصيف. لم يكن المهتمين بهذا المجال غافلين عن أهمية الصحافة والصحفيين مطلقاً، حيث كان اعلان فرجينيا للحقوق عام 1776 قد ثبت (ان حرية الصحافة احدى أهم أسس الحرية ولا أحد يقيدها ابداً سوى الحكومات الاستبدادية) ولكن ساهمت جملة بروك هذه بتسليط الضوء بشكل أكبر على ما تعنيه الصحافة وما تشكله باعتبارها سلطةٍ من السلطات. ولاحقاً دستور ماساشوتيس عام 1780 الذي ثبت ايضاً (ان حرية الصحافة أمر أساسي لضمان الحرية في الدولة، ولهذا يجب أن لا يتم تقييدها في هذا الكومنويلث).

في ويندهوك  عاصمة جمهورية ناميبيا وللفترة من 29 نيسان ولغاية 3 آيار من العام 1991 وقع المشتركون في الحلقة الدراسية للأمم المتحدة/ منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) على اعلان ويندهوك،  لاحقاً وفي العام 1993 أعلنت الأمم المتحدة الثالث من آيار من كل عام يوماً عالمياً لحرية الصحافة.

أعلن المجتمعون في ويندهوك(1) جملة من النقاط المهمة منها:

  1. ان قيام صحافة مستقلة حرة وقائمة على أساس التعددية أمر لا غنى عنه لتحقيق الديمقراطية في أي دولة ومن شأنها أن تحقق التنمية الاقتصادية.
  2. المقصود بالصحافة المستقلة هو قيام صحافة مستقلة عن السيطرة الحكومية أو السياسية أو الاقتصادية أو حتى سيطرة المواد والمعدات اللازمة لإنتاج ونشر الصحف والمجلات.
  3. والمقصود بعبارة صحافة قائمة على التعددية هو انهاء الاحتكارات من أي نوع ووجود أكبر عدد ممكن من الصحف والمجلات والدوريات، هذا من شأنه أن يعكس أكبر نطاق ممكن من الآراء السائدة داخل المجتمع .

من شأن الاهتمام والحديث والترويج للأيام الدولية أن تكون بمثابة دعوة تثقيفية لعامة الناس حول قضايا تمس حياتهم اليومية وجوانبها الصحية والاجتماعية والسياسية، وتعمل الأمم المتحدة على هذا الأيام باعتبارها وسيلةً ممكن أن تساهم في ترسيخ أهمية هذا الأيام وبالتالي أهمية هذه القضايا في عقول الناس. وفي الوقت نفسه هي فرصة لمراجعة العمل والاجراءات والوقوف على سؤال ملح هو ماذا تحقق وماذا ننتظر بعد.

لماذا نكتب عن هذا الآن:

لا يمكن أن ننظر الى الصحافة الا باعتبارها انعكاساً لتعدد الآراء في كل زمان وفي أي دولة من الدول، ننظر اليها باعتبارها فضاءً لمناقشة الكثير من الأفكار المتصارعة، الصحافة من شأنها أن تجعل من المعلومات التي تقدمها وسيلة من وسائل كثيرة لتقييم عمل الحكومات وتكمن أهمية هذا الفضاء في انه يحول دون أن تذهب هذه الافكار المتصارعة الى ساحة الصراع العنيف. وهنا نؤكد على ضرورة أن لا يتم الفصل بين حرية الصحافة ويومها العالمي من جهة وحرية التعبير من جهة أخرى.  هي ليست مجالاً لنقل الأخبار وتداولها فقط بل مصدراً مهماً للمعلومة ومجالاً واسعاً وكبيراً للاحتجاج.

من جانب ثاني تكمن أهمية الصحافة في بلدان مثل بلداننا خاصة ونحن نخطو/نسعى نحو بناء أو تعزيز النظام الديمقراطي بما يفرضه هذا النظام من العمل انطلاقاً من مبدأ الشفافية، وارتباطاً بموضوع الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة وثيمته الاساسية المتمثلة بـــــ “المعلومات كمنفعة عامة”  باعتبارها أمراً مهماً. اذ تساعد هذه المعلومات على انتاج رؤى جديدة تعمل/تزيد من تعزيز المساءلة واحترام حقوق الانسان حيث يكمن هنا جوهر عمل الأنظمة الديمقراطية.

نكتب عن هذا الآن باعتباره محاولة لتسليط الضوء على كثير من الانتهاكات التي تتعرض لها حرية الصحافة  وأصحاب الرأي  منها لأسباب قديمة ومعروفة ومنها أسباب قد استجدت ومنها ما شكله كورونا فايروس من تحدٍ جديد واجه الصحافة عموماً والمشتغلين بهذا المجال وأستخدم كذريعة من قبل الحكومات للحد من حرية الصحافة وحركتها وما تتناوله من مواضيع.

ففي تقرير لمنظمة مراسلون بلا حدود ( حصيلة الصحفيون المحتجزون والرهائن والمفقودون خلال عام 2020)  في آذار 2020الى الزيادة المهولة في مستوى انتهاكات حرية الصحافة في ربيع 2020 مع بداية انتشار فايروس كورونا في العالم، “فمن بين ما يزيد عن 300 حالة مرتبطة مباشرة بالتغطية الصحفية للأزمة الصحية للفترة من الأول من شباط ولغاية 30 تشرين الثاني 2020 شملت ما يقارب من 450 صحفياً، ومثلت الاستجوابات والاعتقالات التعسفية وحدها 35% من الانتهاكات المسجلة متقدمة في ذلك على أحداث العنف الجسدي أو المعنوي التي مثلت 30% من الانتهاكات الموثقة” (2).

ويشير التقرير ذاته مثلاً الى الرقابة الكبيرة التي فرضتها الصين على حرية الصحافة وعموم الانتقادات التي طالت ادارة بكين للأزمة الصحية حتى تلك الانتقادات التي انطلقت على منصات التواصل الاجتماعي ويشير التقرير “انه لا يزال ما لا يقل عن 7 أشخاص قيد الاحتجاز في علاقة بتغطية جائحة كورونا فايروس ومن بينهم كاشفو فضائح ومحللون سياسيون مؤثرون في الرأي العام منهم الصحفي البارز غير المحترف  كاي وي”(3)  .

وفي الهند مثلاً تم استهداف ما لا يقل عن 48 صحفياً من خلال ملاحقتهم قضائياً مما أدى الى اعتقال نحو خمسة عشر صحفياً قبل اطلاق سراحهم بكفالة بعد أسبوع الى أربعة.

المرصد الاورومتوسطي لحقوق الانسان كان قد اصدر تقريره الخاص في حزيران عام 2020 (حرية الصحافة.. قيود متزايدة باسم كورونا)(4)، ضم التقرير رصداً كثير من حالات التضييق على الصحافة منها رومانيا وبلغاريا والامارات العربية المتحدة والعراق، وتلخصت كل المضايقات في هذه البلدان الى اصرار الحكومات على احتكار المعلومة واعتبار أي معلومة غير صادرة عنها هي معلومات مضللة وكاذبة مما يعرض الفرد أو المؤسسة الى الوقوع تحت طائلة القانون.

ففي رومانيا مثلاً، وقع الرئيس الروماني كلاوس يوهانيس على مرسوم طوارئ يمنح حكومته الحق في ازالة التقارير أو اغلاق المواقع الالكترونية التي تنشر الاخبار “المزيفة” حول الفايروس، وفي السياق نفسه عمدت حكومة بلغاريا الى الاستفادة من وجود حالة الطوارئ وحاولت تعديل قانون العقوبات لمعاقبة كل من ينشر ما عدته أخباراً مزيفة حول تفشي المرض بالسجن لمدة تصل الى ثلاث سنوات أو غرامة تصل الى 5000 يورو.

الامارات العربية المتحدة اتخذت الاجراء ذاته وفرضت غرامة وصلت الى 20 الف درهم اي ما يعادل 5500 يورو على الصحفيين الذين يتداولون اي من الاخبار او المعلومات عن فايروس كورونا لم تصدر عن السلطات الرسمية أو ترويج اخبار غير تلك التي تصدر عن الحكومة. اما في العراق فقد علقت السلطات العراقية ترخيص وكالة رويترز للأنباء بعد أن نشرت تقريراً يشير الى ان عدد حالات الاصابة المؤكدة بفايروس كورونا في البلاد أعلى من التقارير الرسمية، وبين التقرير ان السلطات اصدرت اوامراً للعاملين في القطاع الصحي بعدم التحدث الى وسائل الاعلام حول انتشار الفايروس في البلاد.

في السنوات الأخيرة بدت الضغوط التي يتعرض لها الصحفيين واضحة في كل دولة من دول العالم تقريباً، خاصة تلك التي تشهد مجتمعاتها حركات احتجاجية واضحة. ففي مذكرة ضمن سلسلة اليونسكو بعنوان (الاتجاهات العالمية على صعيد حرية التعبير وتطوير وسائل الاعلام)(5) حدد هذا التقرير 125 حالة اعتداء على صحفيين أثناء تغطيتهم لحركات احتجاجية في 65 بلد للفترة من الأول من كانون الثاني من العام 2015 ولغاية 30 حزيران من 2020 وسجل العام 2019 أعلى نسبة حيث تم الاعتداء على 32 صحفي.

يتحدث التقرير أعلاه عن كثير من الاعتداءات والمضايقات التي تعرض لها الصحفيون أثناء تغطية الحركات الاحتجاجية في بلدانهم ومن أهم ما أستخدم ضدهم أو للحد من نشاطاتهم إنه تم استخدام برامج تجسس كانت قد ركبت على هواتف الصحفيين الذين يغطون أنشطة المعارضة والحركات الاحتجاجية، وكانت بعض الوكالات الحكومية قد تسللت الى قواعد بيانات الهاتف والبريد الالكتروني والرسائل النصية وهذا من شأنه أن يمكّن الحكومات من تعقّب الصحفيين ورصد اتصالاتهم. وقد فضح مسؤولون في الحكومات المحلية معلومات شخصية عن صحفيين من خلال تبادل عناوينهم أو أسماء أطفالهم(6).

 لاحقاً وجه الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش دعوة خاصة لحماية الصحفيين معللاً أهمية دعوته بمواجهة ما أسماه بجائحة المعلومات المضللة التي يواجهها العالم “اذا لم نقم بحماية الصحفيين فستصبح قدرتنا على البقاء على علم بما يجري حولنا وعلى اتخاذ قرارات مبينة على أدلة محدودة جداً. وعندما لا يستطيع الصحفيون القيام بعملهم بأمان فإننا نفقد خطاً دفاعياً مهماً ضد جائحة المعلومات الخاطئة والمضللة”.

نظرةٌ على حرية الصحافة في السياق العراقي:

  1. لمحة سريعة عن التاريخ القريب:

شأنها شان كل مفاصل الحياة اليومية في العراق كانت الصحافة ولم تزل الى حد ما تقع تحت تأثير الأنظمة السياسية التي مرت على العراق، فمنذ صدور الجريدة الأولى  الزوراء وعددها الأول في الخامس عشر من حزيران عام (1869) على يد الوالي العثماني مدحت باشا وصولاً الى يومنا هذا مرت الصحافة بأوقات من الحرية وأخرى من التضييق الشديد. مع ملاحظة ان الزوراء صحيفة ولاية بغداد وقتها وصحيفتا البصرة والموصل تصدر باللغتين العربية والتركية الى ان وصلت القوات البريطانية الى بغداد عام 1917.

لم تكن الدولة العثمانية قد سنت قانوناً خاصاً ينظم عمل الصحافة، لكن قانوناً خاصاً بالعقوبات قد تم العمل به عام 1858 كان قد احتوى على بعض المواد الخاصة بالصحافة ودور النشر(7) وهذه الفقرة تتحدث عن عقوبة من يطبع أو ينشر في دور الطباعة مطبوعات وصفتها الفقرة هذه بالضارة ضد السلطنة والحكومة والأمم المنضوية تحت لواء الامبراطورية.

وبعد دخول القوات البريطانية وتأسيس الدولة العراقية بقي الحال كما هو عليه لغاية اصدار قانون المطبوعات رقم (82) لسنة 1931 ولاحقاً قانون المطبوعات الثاني وتعديله 1933-1934 والذي بقى نافذاً الى أن تم العمل بمرسوم المطبوعات رقم (24) لسنة 1954 وبعدها وفي العهد الجمهوري قانون المطبوعات رقم (206) لسنة 1968، من الناحية العملية لم يكن هنالك ثمة اختلاف كبير بين كل هذه القوانين والمراسيم، فقد بقيت الخطوط العريضة المرسومة منذ القانون الأول تتحدث عن الممنوعات التي يجب أن لا تتناولها الصحف ومنها ما من شأنه أن يثير الكراهية والاحقاد بين ابناء الشعب الواحد أو نشر مواد تخل باستتباب الأمن داخل البلاد… الخ، وكل هذه بالمحصلة هي عبارات فضفاضة يمكن لأي صاحب قرار وسلطة أن يفسر أي مادة لا تنسجم مع رؤيته، لذلك بقت الصحف واقعة تحت رحمته وقد مورست الكثير من حالات الاغلاق التي طالت بعض الصحف أو سحب المطبوعات أو فرض الغرامات وغيرها من العقوبات التي كانت توجه بالتحديد لما يمكن تسميته بصحف المعارضة.

  • الصحافة بعد العام 2003:

كغيرها في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي 2003 وجدت الصحافة نفسها أمام تغييرات مهولة، فحالة الفوضى والانعتاق من القوانين القديمة التي خنقت الصحافة لعقود طوال والعدد المحدود من الصحف الرسمية/الحكومية أو حتى الخاصة التي لا تبتعد مطلقاً عن الرأي الرسمي كانت لأول مرة أمام انفتاح كبير واعداد قدرت في أول شهرين بعد الاحتلال بالمئات من الصحف الخاصة والحزبية في ظل غياب تام لأي قانون ينظم العمل الصحفي. وبعد أن حل الحاكم المدني للعراق بول بريمر وزارة الثقافة والاعلام بقرابة الشهرين على تغيير النظام الديكتاتوري وفي آيار 2003 صدرت صحيفة (الصباح) وكان المراد منها أن تكون صحيفة تمثل لسان حال الدولة وليس الحكومة فقط.

على طول السنوات التي أعقبت الغزو الامريكي واحتلال البلاد وما رافقها من عمليات عسكرية مستمرة ووضع أمني منفلت وعمليات ارهابية طالت اليابس والأخضر كان للصحافة والصحفيين نصيباً من الاغتيالات والاختطاف والملاحقات التي حالت دون أن تأخذ الصحافة دورها المهم في تغطية ما يجري  خاصةً وهي ترافق ولادة نظام سياسي جديد وعمليات عسكرية في أكثر من مدينة. فيما بعد بقي العراق يشكل واحد من أخطر الأماكن في العالم بالنسبة للصحفيين.

فكان للتنظيمات الارهابية نصيبا في تلك الفوضى ففي صباح الاربعاء يوم 22فبراير 2006 اختُطِفت المراسلة اطوار بهجت اثناء تغطيتها الصحفية ومن ثم اُغتيلت على يد الجماعات المسلحة في سامراء.

كذلك لازال قتلة الشهيد هادي المهدي الذي أُغتيل في الثامن من ايلول 2011 مجهولين،  ولم يتم التعرف عليهم بل ولم تكن حتى السلطات جادة في التحقيق بملفه على الرغم من كل المطالبات الشعبية والجماهيرية بالكشف عن مرتكبي هذه الجريمة، (وهو من الاعلاميين البارزين  في العراق، يبلغ من العمر 46 عاماً وهو متزوج ولديه ثلاثة اطفال، وكان يقدم برنامجا اذاعيا معروفا باسم (يا سامعين الصوت) في راديو ديموزي  والذي كان يحظى بشعبية واسعة. وكان اخر ما كتبه الصحفي هادي المهدي على صفحته في الفيس بوك حوالي الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت بغداد، اي قبل نحو ساعة من مقتله، انه يعيش منذ ثلاثة ايام حالة من الرعب وذكر: “كفى.. اعيش منذ ثلاث ايام حالة رعب فهناك من يتصل ليحذرنى من مداهمات واعتقالات للمتظاهرين وهناك من يقول ستفعل الحكومة كذا وكذا وهناك من يدخل متنكر ليهددنى في الفيس بوك.. سأشارك في التظاهرات وانى من مؤيديها وانا اعتقد جازما ان العملية السياسية تجسد قمامة من الفشل الوطني والاقتصادي والسياسي وهي تستحق التغيير واننا نستحق حكومة افضل.. باختصار انا لا امثل حزب ولا اية جهة انما امثل الواقع المزري الذي نعيشه.. لقد سئمت مشاهدة امهاتنا يشحذن في الشوارع ومللت اخبار تخمة ونهب السياسيين لثروات العراق!!”.)

كما شكلت الاحتجاجات العراقية التي انطلقت في تشرين الأول من العام 2019 تحدياً كبيراً  للنظام السياسي/الحكومة من جهة والصحفيين من الجهة الثانية، فبينما تشير المادة 38 من الفصل الثاني (الحريات) من الدستور العراقي على أن تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، فقد جرى الاعتداء السافر كل ما ورد في هذه المادة، ويمكن اعتبار ما حصل بالخرق الدستوري الفاضح الذي اقدمت عليه الحكومة آنذاك. وارتباطاً بورقتنا التي تتناول اليوم العالمي لحرية الصحافة سنركز هنا على ما وقع على الصحافة والصحفيين اثناء تغطيتهم للاحتجاجات الشعبية.

واقع الصحافة أثناء احتجاجات 2019 وبعدها:

في تقرير أعدته جمعية الدفاع عن حرية الصحافة (تقرير رصد اعلامي بخصوص الانتهاكات التي طالت الصحفيين العراقيين للفترة من 1 كانون الثاني – 13 كانون الاول من العام 2019)(8) كانت قد اعتبرت ذلك العام عام انتكاسة صحفية في العراق حيث سجلت الجمعية 373 حالة اعتداء طالت صحفيين ومن كلا الجنسين وفي مدن ومحافظات مختلفة، شملت اغتيالات وتهديد بإنهاء الحياة والاختطاف والاعتقال والاحتجاز والاعتداء بالضرب هذا فضلاً عن منع التغطية ومحاولة عرقلة التغطيات الخبرية. بينما تعرضت ما يقرب من 17 وسيلة اعلام عراقية وعربية الى الاقتحام أو الحرق أو الاعتداء أو الايقاف حسب التقرير.

فما ان انطلقت احتجاجات تشرين عام 2019 حتى بدأ فصلاً جديداً في تاريخ الصحافة العراقية، فالتضييق الكبير الي تعرضت له والصحفيين أخذ أكثر من جانب،  فقطع الانترنيت وحجب الاشارة الى اغلاق مكاتب القنوات الفضائية (العربية الحدث- دجلة- الرشيد- NRT- الشرقية- الفلوجة- هنا بغداد- الحرة) أو التهديد بإغلاقها الى التهديدات الجدية التي طالت الصحفيين وعلى أثرها لم يجد هؤلاء غير التوجه الى السليمانية و أربيل. 

واتخذ التضييق على الصحفيين الذين يغطون الاحتجاجات شكليين مختلفين، يمثل الأول في استخدام مجموعة من القوانين يعود عهدها الى نظام ما قبل 2003، وهي ما مكنت السلطات العراقية من استخدام مثل هذه القوانين لاتخاذ اجراءات ضد الصحفيين ومنها قوانين تتحدث عن التشهير والتحريض، وقد درست منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها (ممكن أن نستدعيك في أي وقت.. حرية التعبير مهددة في العراق)(هامش) ما مجموعه 33 قضية، وجدت ان 17 من هذه القضايا تم اتهام الافراد بموجب القوانين المذكورة 4 من هذه الـــــ (17) قضية تم اسقاط التهم لاحقاً والافراج عن المحتجزين، وفي 16 قضية أخرى تم احتجاز اشخاص دون توجيه تهم لهم حتى. وتبين من خلال التقرير هذا ان 20 قضية من أصل 33 كانت قضايا مرتبطة بالاحتجاجات و بقضايا مرتبطة بمن كتب عن فساد الحكومة  في وسائل اعلام أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا يجب التذكير بأن الحكومة العراقية قد أخلت بمواد دستورية تدعو الى احترام الصحافة والاعلام والعاملين بها وتضمن لهم حقهم في الوصول الى المعلومة وأخلت حتى باتفاقيات عالمية والعراق جزءً منها فمثلاً  تشير المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسة والمعتمد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة الى ان “لكل انسان حق في حرية التعبير، ويشتمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها الى الآخرين، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأي وسيلة أخرى يختارها.

الشكل الثاني تمثّل بالمضايقات غير الرسمية، وهي عبارة عن تهديدات بالقتل كانت قد وصلت الى الكثير من الصحفيين العراقيين الذين ساهموا بتغطية الاحتجاجات العراقية، وهي تهديدات طالتهم شخصياً أو مؤسساتهم التي يعملون بها بصورة أشمل. وهي تمثل الجانب الأخطر الذي يمكن ان يتعرض له العاملين بالصحافة، اما الجهات التي تقف خلف ذلك فهي مجهولة بالنسبة للقضاء العراقي كما يصرح حول ذلك ولم تتوصل بعض اللجان التحقيقية التي كلفت بالكشف عن هويات هؤلاء. 

 وفي معظم هذه الحالات، وبغضّ النظر عن الجهة أو الجماعة التي قد تكون مسؤولة، بقي الإفلات من العقاب هو القاعدة السائدة في السنوات الأخيرة لجهة الهجمات على الصحافة التي تغطّي الحركات الاحتجاجية.

ومن أبرز الأسماء التي لاقت حتفها وهي تغطي الحراك الاحتجاجي في العراق 2019 الصحفي أحمد عبد الصمد والمصور صفاء غالي اللذان قتلا في مدينة البصرة وهما يقومان بتغطية التظاهرات لصالح قناة تلفزيونية (دجلة الفضائية)، لاحقاً قتل الصحفي أحمد مهنا – فيما يعرف بمجزرة السنك- وهو مصور اخباري يعمل لحسابه الخاص وهو يغطي تظاهرات في بغداد في كانون الأول من العام 2019 (9).

التوصيات:

  1. تبقى مهمة توفير الأمن والسلامة للصحفيين من أبرز ما يقع على عاتق الحكومات، اذ لا يمكن لشخص أن يتوقع منهم أن يؤدوا وظائفهم المهنية دون أن يكون الصحفي مطمئناً على حياته.
  2. كذلك تؤدي حالات عدم المعاقبة على عمليات القتل أو على أعمال العنف الى ممارسة الرقابة الذاتية التي من شأنها لا تدفع بالصحفي الى الخوض بالمواضيع التي يتطلب الخوض فيها، وهذا نابع من اعتقاد الصحفيين بأن التطرق لبعض المواضيع دون غطاء الحماية من شأنه أن يعرض حياتهم للموت حتى.
  3. توفير البيئة الآمنة قانوناً وهو ما يتطلب توفير تشريعات من شأنها أن تضمن الحرية الاعلامية ويقف على رأسها الحق في الحصول على المعلومة وعدم احتكارها لحساب جهة معينة.
  4. ضمان حرية النشر والتعبير باعتبارها حقوقاً مكفولة في الدستور العراقي وواحدة من أهم ما يتضمنه الميثاق العالمي لحقوق الانسان.
  5. وسائل الاعلام ( تلفزيون- اذاعة – صحف) يجب أن تبقى مستقلة وغير منحازة والمقصود هنا هي وسائل الاعلام المملوكة للدولة.  
  6. تقع على الصحفي مهمة توثيق المعلومات ومراعاة الدقة في المواضيع المنشورة مع التأكيد على احترام الحياة الخاصة والشخصية للمواطنين.
  7. للصحفيين والاعلاميين الحق في تأسيس نقابات وجمعيات تمثل رؤيتهم وتطلعاتهم وتدافع عنهم ويجب توفير التشريعات التي تغطي ذلك الحق.

اعداد فريق عمل مركز المعلومة للبحث والتطوير

(زهراء وليد _ الكرار حسن _ حارث رسمي الهيتي )

المصادر:

  1. مؤتمر اعلان ووندهوك .
  2. تقرير منظمة مراسلون بلا حدود ( حصيلة الصحفيون المحتجزون والرهائن والمفقودون خلال عام 2020)  متاح على الرابط https://rsf.org/sites/default/files/rsf_bilan_2020_ar.pdf
  3. المصدر السابق
  4. تقرير المرصد الاورومتوسطي لحقوق الانسان   (حرية الصحافة.. قيود متزايدة باسم كورونا) متاح على الرابط https://euromedmonitor.org/uploads/reports/coronamedia.pdf
  5. المصدر السابق
  6. كتاب مئة عام من الصحافة في العراق، علي شمخي الفتلاوي، اصدارات وزارة الثقافة والسياحة والآثار- دار الشؤون الثقافية، 2021
  7. المصدر السابق
  8. تقرير جمعية الدفاع عن حرية الصحافة (تقرير رصد اعلامي بخصوص الانتهاكات التي طالت الصحفيين العراقيين للفترة من 1 كانون الثاني – 13 كانون الاول من العام 2019) متاح على الرابط https://pfaa-iq.com/wp-content/uploads/%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%B1%D8%B5%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D9%85-2020-1.pdf
  9. تقرير  صادر عن اليونسكو (سلامة الصحفيين الذين يغطون الحركات الاحتجاجية) متاح على الرابط https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000374206_ara