لابديل عن ربط امننا وسيادتنا الغذائية عن قضايا البيئة والصحة

يوم الصحة العالمي

هل بمقدورنا أن نتصوّر من جديد عالماً يُتاح فيه الهواء النقي والماء والغذاء للجميع؟ وتركّز فيه الاقتصادات على
الصحّة والرفاه؟ وتكون فيه المدن صالحة للعيش، ويسيطر فيه الناس على صحّتهم وصحّة الكوكب.
هكذا ابتدأ البيان الرسمي الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية وهي تحتفل بيوم الصحة العالمي في يوم 7 نيسان من كل
عام. وفي ظل التطورات والتغيرات التي يعيشها العالم نقف هنا لنطرح السؤال اعلاه بما يتناسب مع واقعنا العراقي، في
محاولة للوقوف على ما نعانيه على المستوى الصحي والبيئي، هل نعيش اليوم ضمن نطاق بيئي آمن يتوفر فيه الماء
والغذاء والهواء النقي، هل يمكن اعتبار مدننا صالحة للعيش الكريم، وهنا سنجد أنفسنا أمام تساؤلات كبيرة وملحة وهي
بحاجة الى اجاباتٍ من شأنها أن تحقق ما نصبو اليه.
سنوياً، وبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية فإن هناك أكثر من 13 مليون حالة وفاة في جميع أنحاء العالم ناتجة عن
أسباب بيئية يمكن تجنبها، حيث تمثل التغيرات المناخية أبرز التهديدات الصحية التي تواجه البشرية.
زادت من حجم التحديات التي تواجه الصحة، ازمة وباء كورونا ٢٠١٩، وتفشيه بشكل متسارع، واضعا البشرية في
حالة من الصراع لأجل البقاء. في العراق إضافة تفشي الوباء مشكلة جديدة، تضاف الى مجموعة المشكلات التي يعاني
منها الواقع الصحي والبيئي، منها شحة المياه وتردي جودتها، حيث نحن نعاني منذ سنوات من قلة المدفوعات المائية في
نهري دجلة الفرات وما ينجم عن هذا من مخاطر، ناهيك عن تلوث مياه النهرين بالمخلفات والنفايات المختلفة، وارتفاع
نسب الملوحة، كما ظهر في محافظة البصرة جنوبي البلاد خلال السنوات الماضية. مع اقتراب فصل الصيف ستبدو
واضحة للعيان أكثر من أي وقتٍ مضى، سنشاهد معدلات تلوث الهواء ترتفع بشكل خطر بسبب الانبعاثات الكربونية
المختلفة، والتي سببها بشكل أساسي الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي واعتماد طرق بديلة ليست صديقة للبيئة، فضلا
عن اعتماد التوليد الكهربائي الوطني على طرق ليست صديقة للبيئة أيضا، يضاف الى ذلك احراق الغاز المصاحب
لعمليات استخراج النفط. ويمكن الإشارة أيضا الى الاعداد الهائلة للسيارات الخاصة في وقت فشلة الحكومات المتعاقبة
في توفير بدائل مناسبة، لا بالعكس انها تدعم شراء السيارات الخاصة في محاولة منها لمعالجة ازمة البطالة المتفاقمة!،
فضلا عن الفشل في إدارة ملف التخلص من النفايات، عبر اعتماد اليات اقل ما يقال عنها انها بدائية، وارتباطاً بالجائحة،
وبحسب تقرير برنامج الامم المتحدة الانمائي في العراق فإن نفايات البلاستيك كانت من ضمن أبرز ما خلفته هذه
الجائحة (القفازات المطاطية، والأردئة الطبية، وأقنعة الوجه) ووفقاً لبعض التقديرات، تشير الى ان كل شخص راقد في
المستشفى ينتج ما يتراوح بين كيلو واحد إلى ثلاثة كيلوغرامات من النفايات الاضافية.
كما نشير الى الزحف العمراني غير المدروس على المساحات الخضراء في ظل وجود ازمة سكن لم يتم معالجتها
بخطط استراتيجية تستوعب النمو السكاني. وفوق كل هذا ما تزال كثير من المخلفات الحربية الخطرة تتوزع على طول
البلاد وعرضها دون أن يحظى هذا الموضوع بالاهتمام الكافي بما يتناسب مع حجم الكارثة.
سلطت جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط الدولية، ضغط إضافيا على النفقات الحكومية وهذا بدوره أدى الى تخفيض
التمويل التمويل الموجه نحو القضايا البيئية، وتراجع هذا الملف بالكامل الى الصفوف الأخيرة من سلم الأولويات الحكومية.

إن كان هنالك جانب جيد يمكن تلمسه من تداعيات الجائحة هو اعادة التفكير مجدداً بالارتباط الوثيق بين صحة الكوكب
وصحة سكانه، وهي بالمحصلة دعوة لإعادة موازنة علاقتنا كبشر، مع الطبيعة الأم، ومحاولة بناء مستقبل أفضل وأكثر
استدامة. فتراجع المؤشرات الاقتصادية، الاجتماعية، وازدياد نسب الفقر يؤدي الى ضعف المجتمعات المحلية، على
وجه التحديد الفئات والشرائح الأكثر فقراً، وهذا يعني بالتالي تراجع اهتمامهم بقضايا المناخ والأمن الغذائي والتدهور
البيئي عموماً