اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 20 شباط

تعتبر العدالة الاجتماعية واحدة من أهم عناصر ضمان المساواة والعدالة في توزيع الثروات والدخل و توفير فرص متكافئة للمواطنين دون أي تمييز أو تفرقة، وهي السبيل لتعزيز الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والتنمية نحو تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين. ومنذ انقسام المجتمع إلى طبقات وتقسيم العمل وظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج برزت فوارق طبقية وفجوة بين الطبقات والفئات الاجتماعية، بين الفقراء والأغنياء، وتمركزت الثروة بيد فئة صغيرة مقابل عملية إفقار أكبر للطبقات الفقيرة والمهمشة، حيث وصلت إلى حد الإملاق، مما زاد من حدة الصراع السياسي الاقتصادي الاجتماعي. وعلى اثر ذلك اندلعت الثورات والانتفاضات والحركات الاجتماعية الرافضة للواقع المرير والبؤس والحرمان متطلعة إلى العدل والإنصاف والمساواة .

لقد تقرر إعلان الاحتفال سنويا بيوم 20 شباط، بوصفه اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، اعتبارا من الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ حيث تدعو جميع الدول الأعضاء إلى تكريس هذا اليوم الخاص لتعزيز أنشطة ملموسة، على الصعيد الوطني، وفقا لأهداف وغايات مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية ودورة الجمعية العامة الاستثنائية الرابعة والعشرين. تسلم بالحاجة إلى زيادة تدعيم جهود المجتمع الدولي في مجال القضاء على الفقر وتعزيز العمالة الكاملة والعمل اللائق والمساواة بين الجنسين وتحقيق الرفاه الاجتماعي والعدالة الاجتماعية للجميع.

وبالنسبة للأمم المتحدة، يشكل السعي إلى كفالة العدالة الاجتماعية للجميع جوهر رسالتها العالمية ألا وهي تحقيق التنمية وصون كرامة الإنسان. وما اعتماد منظمة العمل الدولية في العام قبل الماضي للإعلان الخاص بالوصول إلى العولمة المنصفة من خلال العدالة الاجتماعية إلا مثال واحد على التزام منظومة الأمم المتحدة بالعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية. فالإعلان يركز على ضمان حصول الجميع على حصة عادلة من ثمار العولمة مما يتأتى بتوفير فرص العمل والحماية الاجتماعية ومن خلال الحوار الاجتماعي وإعمال المبادئ والحقوق الأساسية.

كعراقيين لدينا خصوصية في قضية العدالة الاجتماعية، حيث إننا لو قرأنا الدستور العراقي لوجدنا الكثير من البنود والمواد التي تعترف بقضية العدالة الاجتماعية، وتأكد على ضرورة توفرها في كافة المجالات سياسية كانت أو اقتصادية أو في مجال الحريات الشخصية، وتشكيل النقابات والحق في توفير فرص العمل واحترام حقوق المرأة ….الخ.

لكن ما الذي يعيق عملية تحقيق العدالة الاجتماعية في العراق؟

من المعروف إن الدستور العراقي يعتبر من انضج وأرقى الدساتير في الشرق الأوسط خصوصا وقد اعتمد على دساتير الدول الأكثر تقدما مثل الدستور الفرنسي والسويسري وتجارب الكثير من الشعوب المتقدمة، لكن نمط التفكير السائد للحاكمين لا يستند إلى مشاريع تنموية بالإضافة إلى إن تطبيقاته على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي ضلت مرهونة بالأوضاع العامة للبلد.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء فأن قرابة الـ 20% من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر، وان نسب الفقر في الريف أكثر من المدينة، وهذه النسبة قابلة للزيادة في ظل الظروف الحالية والأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق مع انخفاض أسعار النفط بالإضافة إلى الوضع الأمني المتردي وتصاعد أعداد النازحين إلى أكثر من ثلاثة ملايين نازح، وانتشار الفساد في كافة مفاصل الدولة، وسيطرة مجموعة من المتنفذين والمقربين منهم على ثروات البلد، ومن جهة أخرى لا توجد إلى الآن أي تدابير حقيقية من قبل الحكومة لاحتواء هذه المشكلة, وما زالت حلولها توقيعية حيث لم يشهد العراق طيلة السنوات الثلاثة عشر الماضية أي مشاريع تنموية، أو رؤى اقتصادية واقعية للحد من الفقر والعمل من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية، بل العكس من ذلك حيث لا تزال مخصصات ورواتب المسؤولين تشكل نسبة كبيرة من ميزانية الدولة، ولا زال الاعتماد بشكل شبه كلي على مردودات النفط فقط، وهو الآخر يشهد تراجعا كبيرا في أسعار بيعه، وفي مقالة نشرت قبل فترة حول الميزانية عكست هشاشة الاقتصاد العراقي بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة كما بينت في واحدة من نقاطها (بأنها لم تعكس أي توجه جدي لتحقيق ” الإصلاحات ” المزعومة . فان التخفيض في الرواتب لم يجر على وفق منظور أصلاحي جذري لصالح الغالبية العظمى من موظفي الدولة، لان الفروقات ” بين الحد الأدنى والحد الأعلى للرواتب يبلغ 300 ضعف، وهذا وحده يؤكد طبيعة القوى الاجتماعية المحركة والمقررة في الدولة العراقية ونمط التفكير لتلك القوى التي تجنح لخلق مجتمع الطوابق والدرجات المتفاوتة تفاوتا كبيرا .)

مما تقدم يتبين حجم المشكلة التي يمر بها العراق وابتعادنا كل البعد عن تطبيق العدالة الاجتماعية الذي نص الدستور في الكثير من بنوده على ضرورة توفرها، وان المطلوب اليوم من كافة المهتمين بالشأن العراقي بشكل عام والشأن الاقتصادي على وجه الخصوص من صحفيين ومنظمات مجتمع مدني ونقابات العمل من اجل الضغط على السلطة التنفيذية والتشريعية لإيجاد حلول واقعية وجادة لتطبيق العدالة الاجتماعية وقبل ذلك توفر النية الصادقة من قبل المتنفذين من اجل تحقيقها.

مركز المعلومة للبحث والتطوير